فخر الدين الرازي

230

تفسير الرازي

قوله تعالى * ( قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باِلاَْخِرَةِ وَهُم بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما أبطل على الكفار جميع أنواع حجهم بين أنه ليس لهم على قولهم شهود البتة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : * ( هلم ) * كلمة دعوة إلى الشيء ، والمعنى : هاتوا شهداءكم ، وفيه قولان : الأول : أنه يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع ، والذكر والأنثى . قال تعالى : * ( قل هلم شهداءكم الذين يشهدون ) * وقال : * ( والقائلين لأخوانهم هلم إلينا ) * واللغة الثانية يقال للاثنين : هلما ، وللجمع : هلموا ، وللمرأة : هلمي ، وللاثنين : هلما ، وللجمع : هلمن . والأول أفصح . المسألة الثانية : في أصل هذه الكلمة قولان : قال الخليل وسيبويه أنها " ها " ضمت إليها " لم " أي جمع ، وتكون بمعنى ؛ أدن . يقال : لفلان لمة ، أي دنو ، ثم جعلتا كالكلمة الواحدة ، والفائدة في قولنا : " ها " استعطاف المأمور واستدعاء إقباله على الأمر ، إلا أنه لما كثر استعماله حذف عنه الألف على سبيل التخفيف . كقولك : لم أبل ، ولم أر ، ولم تك ، وقال الفراء : أصلها " هل " أم أرادوا " بهل " حرف الاستفهام . وبقولنا : " أم " أي أقصد ؟ والتقدير : هل قصد ؟ والمقصود من هذا الاستفهام الأمر بالقصد ، كأنك تقول : أقصد ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يقال : كان الأصل أن قالوا : هل لك في الطعام ، أم أي قصد ؟ ثم شاع في الكل كما أن كلمة " تعالى " كانت مخصوصة بصورة معينة ، ثم عمت . المسألة الثالثة : أنه تعالى نبه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه ، ومعنى * ( هلم ) * أحضروا شهداءكم . ثم قال : * ( فإن شهدوا فلا تشهد معهم ) * تنبيهاً على كونهم كاذبين ، ثم بين تعالى أنه إن وقعت منهم تلك الشهادة فعن اتباع الهوى ، فأمر نبيه أن لا يتبع أهواءهم ، ثم زاد في تقبيح ذلك بأنهم لا يؤمنون بالآخرة ، وكانوا ممن ينكرون البعث والنشور ، وزاد في تقبيحهم بأنهم يعدلون بربهم